تم النشر في الخميس, 31 أكتوبر 2013 , 10:30 صباحًا .. في الأقسام : أهم الأخبار , الآراء والصور

مكنسة الإحباط

 

عبدالله المغلوث

في أواخر السبعينيات ضاق البريطاني، جيمس دايسون، ذرعا من المكنسة الكهربائية، التي تتطلب تغيير كيس الغبار بين الحين والآخر. اندلعت فكرة في رأسه لمكنسة جديدة استوحاها من منقي الهواء في الغرف. بيد أنه عجز عن إيجاد ممول لمشروعه لإنتاج نموذج لهذه المكنسة. قدم عدة عروض لمصانع وشركات ومراكز أبحاث بريطانية لدعم مشروعه لكن لم يجد أي تجاوب. وجد تعاطفا يتيمًا من زوجته المعلمة، التي اقتطعت جزءا من راتبها الشهري لدعم فكرته. استطاع دايسون بمساعدة شريكة حياته، السيدة، ديردري، في عام 1983 من إطلاق أول دفعة من المكانس الكهربائية، التي اخترعها. لكن سرعان ما تبددت فرحته بعد أن رفض الموزعون في بريطانيا توزيع مكانسه لعدم ثقتهم بالمنتج الجديد. عرض دايسون منتجه بثمن بخس أمام الموزعين دون جدوى. نجح أخيرًا في اقناع موزع صغير في لندن من عرض مكنسة أو اثنتين من إنتاجه في متجره، لكن اعتذر الموزع لدايسون في اليوم التالي كون الشركة الكبيرة التي يوزع منتجاتها في معرضه ستوقف التعامل معه لو عرض أي منتج لشركة سواها. واجه دايسون ضغوطا شديدة ومحاربة شرسة في وطنه. هاجر مع مكنسته إلى اليابان لعله يجد مكانا يروج فيه مكنسته، التي يثق في جودتها وفعاليتها. لكن يبدو أن ذات التحديات سافرت معه على متن الطائرة نفسها. لم يجد دايسون ترحيبًا كبيرًا في طوكيو، لكن اقترحت عليه شركة يابانية أن يعرض منتجه في دليل منتجاتها ”كاتالوج”. وافق دايسون على مضض إثر عدم وجود خيارات أخرى أمامه. فوجئ بأن مكنسته سجلت مبيعات عالية رغم سعرها الباهظ بسبب الضرائب وعمولة الشركة اليابانية، إذ بلغ سعرها، وقتئذ، ما يقارب ألفي جنيه استرليني. أنتج دايسون مجموعة كبيرة تجاوبا مع الطلب الياباني المتزايد. تتويجا لنجاح منتجه فازت المكنسة بأفضل تصميم في معرض المنتجات العالمي في اليابان عام 1991. كان نجاحه في اليابان مجرد وسيلة لأن غايته هي سوق مسقط رأسه، بريطانيا. يريد أن ينتصر في معقله، على أرضه وبين أنصاره. كان يرغب في أن يرد اعتباره من كل من وقف أمام مشروعه هناك. يؤمن دايسون أن الدخول إلى السوق البريطانية ليس سهلا في ظل سطوة كبار الشركات وتشكيك البعض، مدركًا أن نجاحه في أمريكا سيسهل مهمته. اتجه إلى الولايات المتحدة مدفوعًا بتجربته في اليابان. حصل على براءة اختراع أمريكية مهدت له الطريق.

حقق نجاحا جيدا في السوق الأمريكية لكنه لم يستثمر كثيرًا فيه مدخرا جهوده وماله لاختراق السوق البريطانية، هدفه الرئيس.

عندما عاد إلى بريطانيا وجد أن التحديات باتت أصعب. اتحدت شركات ضده كون منتجه قد يؤثر سلبًا في مبيعاتها ويعلن قرب موت المكنسة الكهربائية التقليدية.

حاربته الشركات البريطانية بضراوة. منعته بطرق شرعية وغير شرعية من بيع منتجه أو حتى تصنيعه، لكن نجاح دايسون في اليابان وأمريكا عزز ثقته بمنتجه واستعداده للاستثمار فيه. لم يجد دايسون حلا لمواجهة الحرب ضده إلا بافتتاح مصنع في ويلتشير ”جنوب غرب بريطانيا” ينتج ويبيع ويطور منتجه. اقترض من بنوك أمريكية ومراكز أبحاث من حول العالم لتنفيذ هذا المشروع.

خلال سنوات قليلة استطاع دايسون أن ينجح في دخول السوق البريطانية ويقدم منتجه لأهله وجيرانه وأبناء وطنه. حقق منذ ذلك اليوم نجاحا هائلا يتصاعد يوما بعد يوم. أضحت مكانس دايسون الأولى مبيعا وتطورا إثر أدائها وسرعتها ورشاقتها ومرونتها. أنتج أحجاما وألوانا ملائمة للكثيرين.

في عام 2005 أصبحت مكنسته الكهربائية رسميا الأولى مبيعا في أمريكا وبريطانيا.

معاناته المبكرة مع ممولين جعلته ينشئ ذراعا بحثية لدعم الأفكار الواعدة والمهندسين الشباب.

اليوم قدم دايسون اختراعات لافتة مثل: جهاز تنشيف اليدين، ومجفف الشعر دون صوت، وما زال في جعبته الكثير.

قدم دايسون درسا لكل المحبطين في مجتمعاتنا، الذين يعتقدون أنهم وحدهم من يعاني عقبات ومنغصات وتحديات. نعم في الدول المتقدمة خيارات أوسع للمبدعين ورواد الأعمال، لكن هذا لا يعني أنهم لم يواجهوا تحديات جسيمة.

ها هو دايسون تجربة ماثلة أمامنا تعرض للكثير من الصعوبات التي جعلته يطرق كل السبل لينجح في وطنه لأنه يؤمن بموهبته ومقدرته.

إن أعظم بيئة للنجاح تنبع من داخلك. إن لم تملك الإرادة وتركب الصعب فلن تحقق النجاح سواء كنت في لوس أنجلوس أو لندن أو الرياض أو القاهرة. يقول المتنبي: ”لَوْلا المَشَقّةُ سَادَ النّاسُ كُلُّهُمُ”.

بعضنا يسوِّق للنجاح كأنه منتج لا يتوافر إلا في الدول المتقدمة. إنه يتوافر في كل مكان. قد تتفاوت الصعوبات من بيئة إلى أخرى، لكن التحديات متشابهة.

إننا في مجتمعاتنا نحتاج إلى مكنسة ليست كالتي اخترعها دايسون، ولكن أخرى لتكنس الإحباط الذي روج له السلبيون بإسراف من حولنا.

المشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء مستعارة لاتمثل الرأي الرسمي لصحيفتنا ( المواطن اليوم ) بل تمثل وجهة نظر كاتبها

اترك تعليق على الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Comment moderation is enabled. Your comment may take some time to appear.

اقتصاد

غرفة الأحساء تُنظّم لقاء توظيف عرض 150 فرصة عمل جديدة

المواطن اليوم نظّمت غرفة الأحساء بالتعاون مع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية (مكتب الضمان الاجتماعي بالأحساء “تمكين”) وشركة سابك (مبادرة […]

  • يوليو 2024
    س د ن ث أرب خ ج
     12345
    6789101112
    13141516171819
    20212223242526
    2728293031  
  • Flag Counter
  • Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com