تم النشر في الخميس, 29 أغسطس 2013 , 08:17 صباحًا .. في الأقسام : أهم الأخبار , الآراء والصور

الدوامة السوداء

 

1918

عبدالله المغلوث

تعرفتُ قبل سنوات عدة على شخص خفيف الظل، دمث الأخلاق. كان مجرد الجلوس معه لدقائق معدودة متعة لا تجاريها متعة. عندما أتيحت لي فرصة الاقتراب منه أكثر اكتشفت دوامة سوداء في حياته. تتجسد هذه الدوامة في وظيفته. لقد كان كثير التذمر منها. كان موظفا تعيسا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لم يحصل على ترقية منذ سنوات عديدة وتربطه علاقة سيئة مع رئيسه. حينما ألتقيه كنت أتحاشى أن أتطرق إلى وظيفته أو رئيسه خشية أن تبتلعنا معا الدوامة السوداء. فهذه الدوامة لا تبقي ولا تذر من ابتسامة. تجرف الفرح وتخلف الخراب والحزن.

افترقت عن هذا الصديق بعد أن أجبرتني ظروفي العملية على الانتقال إلى مدينة أخرى. انقطعت أخباره تماما لسنوات. تعانقنا من جديد مصادفة في أحد المساجد. سألته عن كل شيء .. والديه، وأطفاله، ولاعبه المفضل، وشايه الأخضر. وقبل أن أغادره مجددا، أعادني إليه بسؤال مباغت: ”لكنك، لم تسألني عن عملي؟”. ابتسمت ثم تذكرت الدوامة السوداء فلذت بالصمت. لم يدعني أبرر عدم سؤالي عن عمله. انطلق في الإجابة كشلال أطلق سراحه. أخبرني أنه وفق عندما نقله مسؤول في الشركة، التي يعمل فيها إلى قسم آخر بعد أن ارتفع صوت تذمره وضجره من وظيفته السابقة. انتقل إلى وظيفة تعتمد على أن يكون حلقة وصل بين المرضى، الذين تغطي الشركة التي يعمل فيها تأمينهم الصحي، والأطباء. لقد نجح نجاحا مبهرا في تطوير التواصل إيجابيا بين الطرفين. حصل على ترقيات متتابعة واستثنائية نتيجة أدائه اللافت. كان تواصله الإنساني المرهف، وخفة ظله التي يتحلى ويتجلى بها مصدرا لسعادة المرضى والأطباء والشركة. تحول من شكاء بكاء إلى سبب لحل الكثير من المشاكل العالقة. اكتشف صديقى أنه خسر أكثر من سبع سنوات في مكان غير مناسب. فهو لا يحسن التعامل مع الآلات والأجهزة في وظيفته السابقة، إنما مع البشر.

سعدت لأن صديقي القديم ظفر بالوظيفة المناسبة. لكن حزنت لأنه وغيره أتاحوا الفرصة للدوامة السوداء أن تشفط سنوات عمرهم دون أن يتحركوا في الاتجاه الصحيح مبكرا، ويهربوا منها نحو الملاذ الآمن لأحلامهم.

عندما يشعر الإنسان بأن الوظيفة التي يعمل فيها أصبحت مصدرا للشقاء وليس للسعادة فعليه أن يفكر فورا في البحث عن بديل. أدرك جيدا أن البحث عن بدائل ليس أمرا هينا. لكن أعلم أنه كلما تحرك الشخص مبكرا استطاع أن يقلل من حجم الخسائر. ولا توجد خسارة أفدح من إحراق ساعاتنا ودقائقنا.

نتسبب في أحيان كثيرة في مشاكل نحن سببها، لكن نلوم غيرنا عليها. فصديقي صب جام غضبه خلال سنوات عديدة على رئيسه وإدارته، متناسيا أن الذنب ذنبه؛ لأنه صرف وقته في مكان خطأ.

جميل أن تقاتل في سبيل وظيفة تعشقها. لكن من المحزن أن تُقتل في وظيفة تمقتها. ما تعشقه سيرفعك، وما تمقته سيهوي بك. ولك حرية الاختيار.

نرتكب خطأ جسيما حينما لا نعرف ما يستحق القتال من أجله.

مسؤولية كل فرد هي أن يعرف ما يحب ويفضل. ما يشتهي ويبتغي. أن يستمع إلى قلبه، ويتحرك وفق بوصلة نبضه.

ليس من الحكمة أن نتجه نحو الدوامة .. إنها لا تدفعك، إنما تسقطك.

الفضاء الذي يسبب لك المتاعب غير جدير بك.. ابحث عن آخر يحلق بك.

————-

عن الاقتصاديه

المشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء مستعارة لاتمثل الرأي الرسمي لصحيفتنا ( المواطن اليوم ) بل تمثل وجهة نظر كاتبها

اترك تعليق على الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Comment moderation is enabled. Your comment may take some time to appear.

اقتصاد

غرفة الأحساء تُنظّم لقاء توظيف عرض 150 فرصة عمل جديدة

المواطن اليوم نظّمت غرفة الأحساء بالتعاون مع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية (مكتب الضمان الاجتماعي بالأحساء “تمكين”) وشركة سابك (مبادرة […]

  • يوليو 2024
    س د ن ث أرب خ ج
     12345
    6789101112
    13141516171819
    20212223242526
    2728293031  
  • Flag Counter
  • Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com